Friday, March 12, 2010

بحث في حرب أكتوبر 1973 م - الحلقة الأولى

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
قد يقول قائل ما جدوى الكتابة في حدث مثل هذا وقد مر عليه ما يقرب السبعة وثلاثون عاماً ، وقد كتب فيه مؤرخون كثيرون وعقدت فيه ندوات بحثية و رسائل علمية ، ما دفعني فيه للكتابة هو ما يلي :
1-ما وقع تحت يدي من مذكرات لقادة الحرب نفسها وهم الذين عاصروا الحدث بل صنعوه ، فقمت بقراءة ما كتبوا جميعاً ثم قمت بمحاولة الجمع بين آرائهم للوصول إلى الحقيقة في أمر إختلف فيه كثير من الناس ولا شك وأن النتائج المترتبة عليه مازلنا نعاني منها حتى الآن
2-الجيل الحالي لا يعلم شيئاً عن هذه الحرب وما حدث فيها وأحسنهم حالاً يعلم ما تبقى من الحدث عن طريق وسائل الإعلام المحوكمة وهي أن مصر قد هزمت إسرائيل ، ولقد راعني مقابلة تلفزيونية أجرتها قناة " أو تي في " مع بض الشباب وسألتهم عن 6 أكتوبر فقال بعضهم إنها مدينة جميلة والبعض الآخر قال إنه تاريخ لا ينسى لأنه يوفق تاريخ عيد ميلاده ، وإذا وصل الأمر إلى هذا الحد فقد نجح اليهود أو من هم معهم في أن ينسونا الحدث وربما بمرور الزمن قد يطمسوا معلماً مهماً من معالم تاريخنا المعاصر
** مقدمة :
1-لن أتكلم عن الفترة من 6 أكتوبر حتى 9 أكتوبر فهي بحق كانت فترة نصر كاسح للقوات المسلحة المصرية على اليهود حيث سار كل شيئ كما هو مخطط له حسب الخطة العسكرية الموضوعة
2-نحاول بقدر الإمكان تجنب المصطلحات العسكرية الصعبة التي ربما تحدث عسراً في الفهم عند كثيرين منا مما يفقدنا التواصل مع الموضوع
3-نركز في هذا البحث على النتائج وإستخلاص العبر والعظات و أغلب ظني أن هذا البحث ربما يكون على حلقات متتابعة بإذن الله تعالى
4-نركز في هذا البحث على الفترة من 10 أكتوبر حتى 28 أكتوبر 1973 م وهو تاريخ الوقف الفعلي لإطلاق النار والفصل بين القوات ، مقسمين هذه الفترة إلى ثلاث فترات :
أ-الفترة من 10 أكتوبر 1973 حتى صباح يوم 14 أكتوبر 1973 وهي ما يعرف في تاريخ الحرب بـ " الوقفة التعبوية " ومعناها وقفة تجميع للقوات للقيام بتطوير الهجوم المصري تجاه خط المضايق
ب-الفترة من 14 أكتوبر حتى 15/16 أكتوبر وهي عملية تطوير الهجوم المصري تجاه خط المضايق
ج-الفترة من 16 أكتوبر حتى 28 أكتوبر 1973 م
أولا : الفترة من 10 أكتوبر 1973 حتى صباح يوم 14 أكتوبر 1973 " الوقفة التعبوية " كما تعرف بالمصطلح العسكري :
من تاريخ 6 أكتوبر حتى 9 أكتوبر كان قد تحقق للجيش المصري كل ما أراد وخطط له بالفعل حيث تم تدمير خط بارليف أقوى مانع في التاريخ وتم عبور القوات وإحتلال ما يقرب من 12 إلى 15 كليومتر وإنشاء الكباري وإستقر وضع القوات المصرية عند هذا الحد وأمكنها صد وتحطيم جميع الهجمات المضادة التي قام بها العدو ، بل وكان وضع الدفاعات المصرية في وضع جيد لا يسمح لقوات العدو بإختراقها ولكن بعد هذا التاريخ حدث خلاف شديد وتباين في وجهة النظر بين طاقم قيادة القوات المسلحة المصرية نوضحه فيما يلي :
أ-يتكون طاقم القيادة من رئيس الجمهورية والقائد الأعلى للقوات المسلحة الرئيس الراحل محمد أنور السادات و المشير أحمد إسماعيل على وزير الحربية والقائد العام للجيش المصري والفريق سعد الدين الشاذلي رئيس أركان القوات المسلحة المصرية هذه الثلاث شخصيات هي الشخصيات الهامة في قيادة الجيش نضيف إليها شخصية ثالثة وهو اللواء محمد عبد الغني الجمسي رئيس هيئة العمليات للقوات المسلحة ونائب رئيس الأركان وهذه الشخصية أضيفت إلى الشخصيات الأولى - بدون باقي فريق العمليات - لأنه كان نائب رئيس الأركان ورئيس العمليات والذي يكون لديه خرائط المعركة بتفاصيلها وكان رئيس الوفد المصري في مفاوضات الكليو 101 ومباحثات الفصل بين القوات .
ب-كان الفريق سعد الدين الشاذلي - وهو المخطط الحقيقي لحرب أكتوبر 1973 كما سنرى فيما بعد- يرى أن خطة الحرب يجب أن تتوقف بعد إجتياح خط بارليف وتدمير نقطه الحصينة وإقامة المعابر ورؤوس الكباري وإبقاء قواتنا في ظل مظلة قوية من صواريخ الدفاع الجوي والمجال الجوي للطيران المصري حيث أن الطائرات الحربية المصرية تقلع من مطارات خلف القناة وكذلك صواريخ الدفاع الجوي موجودة على قواعد خرسانية خلف القناة والمدى المؤثر للطيران والصوايخ هو على أقصى تقدير 15كليو متر ولهذا يجب أن تتوقف القوات عند هذا الحد حتى لا تكون غنيمة سهلة للكيران الإسرائيلي
ج-كان الفريق أحمد إسماعيل على -القائد العام للقوات المسلحة والذي تم ترقيته لرتبة المشير بعد الحرب-ومن خلفة الرئيس أنور السادات يرى وجوب التوقف وقفة تعبوية لتجميع القوات وتطوير الهجوم
د-يرى اللواء محمد عبد الغني الجمسي أنه كان يجب إستغلال عنصر المفاجأة وإستثمار ما تم تحقيقه من نصر والإستمرار في إجتياح قوات العدو حتى الوصول لخط المضايق دون الحاجة إلى وقفة تعبوية وكذلك لأن الخطة الأصلية لحرب أكتوبر - الخطة بدر - لم تنص على التوقف وقفة تعبوية
هـ -إذا أخذنا في الإعتبار ما جاء في مذكرات اللواء محمد عبد الغني الجمسي من أن السادات في خطابه لهنري كيسنجر وزير الأمن القومي الأمريكي صرح له بأن القوات المصرية لا تنوي الإستمرار في العمليات العسكرية ضد القوات الإسرائلية وصولا لخط المضايق
و - نرى بذلك موقفاً مضطرباً لكل من وزير الحربية ورئيس الجمهورية حيث أن رئيس الجمهورية - كما يرى الجمسى - رأيه هو الوقفة التعبوية رجوعاً لما جاء في خطابه لهنري كيسنجر وهو بذلك يخالف ما نصت علية الخطة بدر كذلك موقف وزير الحربية أحمد إسماعيل على عندما طلب من الفريق الشاذلي يوم 10 أكتوبر تطوير الهجوم لخط المضايق فرفض الشاذلي تطوير الهجوم لأن ذلك يعني القضاء على القوات المصرية المهاجمة لخروجها خارج نطاق حماية الطيران المصري ووقوعها تحت وطأة الطيران الإسرائيلي وطلب منه إستدعاء قادة الجيش الثاني والثالث الميداني الفريق سعد مأمون قائد الجيش الثاني والفريق محمد عبد المنعم واصل قائد الجيش الثالث لأخذ رأيهم في موضوع التطوير فهم من سيقوم بالأمر وكان من نتيجة المناقشة تأخير تطوير الهجوم حتى الساعات الأولى من صباح يوم 14 أكتوبر مما يعني أن وزير الحربية لم يكن له رأي واضح حيث ان رأيه الأولى كان تطوير الهجوم ثم بعد ذلك كان تأخير التطوير ليوم 14 أكتوبر والسؤال هنا هل كان هذا التأخير يرجع لقرار رئيس الجمهورية أم لضغط قادة الجيوش ؟؟؟ الأغلب أنه لرأي رئيس الجمهورية لأن رأي قادة الجيوش كان عدم التطوير
ثانيا الفترة من 14 أكتوبر حتى 16 أكتوبر وحدوث الثغرة :
خلال هذه الفترة تمت عملية تطوير الهجوم المصري تجاه خط المضايق أو الممرات - ممر متلا ومر الجدي وممر الختمية - وهذه الممرات هي طرق جبلية تبتعد عن القناة حوالي 40 كليومتر إلا أنها عسكرياً تعتبر الممر الرئيسي لسيناء ومفاتيح المرور فيها ، تمت خلال هذه الفترة عملية تطوير الهجوم مما كان يعني خروج القوات المصرية خارج مظلة الطيران المصري وصواريخ الدفاع الجوي ووقوعها تحت وطأة الطيران الإسرائيلي وحدث ما توقعه الفريق سعد الدين الشاذلي وخسرت القوات المسلحة المصرية حوالي 250 دبابة من جراء القصف الجوي الإسرائيلي وإرتدت القوات المصرية لرؤوس الكباري مرة أخرى مما يعني فشل عملية تطوير الهجوم المصري وكانت هي المفتاح الرئيسي لعملية الثغرة
ثالثا : الفترة من 16 أكتوبر حتى 28 أكتوبر :
نشير هنا إلى عملية الثغرة فقط وسنتناولها في المقال القادم بالتحليل الدقيق منفردة وما يعنينا في هذا المقال هو عملية تطوير الهجوم وكونها هي المفتاح الرئيس لعملية الثغرة ، كانت الثغرة تعرف عند القادة العسكريين الأسرائيلين بإسم " عملية الغزالة أو القلب الشجاع " أما إسم الثغرة فهو إسم أطلقته عليها القوات المصرية بإعتبار ما قد كان ، وقد جاء في حيثيات القرار الخاص بتطوير الهجوم المصري على لسان الرئيس أنور السادات أن تطوير الهجوم من أجل تخفيف الضغط عن الجبهة السورية وهذا الكلام فيه قدر كبير من عدم الواقعية ، فكما جاء في كتاب الجمسي أن الإتفاق المصري السوري كان يقتضي إستمرار القتال وصولاً إلى خط المضايق حسب الخطة الأصلية وحينما إتخذت القوات المصرية الوقفة التعبوية حول الجانب الإسرائيلي جزءاً من قواته إلى الجانب السوري مما مكن القوات الإسرائيلية من إيقاع خسائر شديدة في الجانب السوري وحتى أن الطيران الإسرائيلي قصف دمشق نفسها والسؤال هلى إستغل هنري كيسنجر المعلومة التي وصلته من السادات بعدم تطوير الهجوم لخط المضايق وأرسلها لإسرائيل مما كان يعني بالنسبة لها التفرغ للجبهة السورية ؟؟ هل كان الموضوع عفوياً أم كان بإتفاق ؟؟ وهذه النقطة نقطة خلاف كبيرة بين الجانب المصري والسوري حول توقف الهجوم المصري دون التنسيق مع الجانب السوري حيث يرى الجانب السوري فيها نوع من الخيانة ، لجأ الجيش المصري لتطوير الهجوم تخفيفاً للضغط عن الجانب السوري مما يعني تصحيح خطأ بخطأ
من ثنايا ما تقدم نستخلص الدروس التالية عن عملية تطوير الهجوم المصري إلى خط المضايق :
1-من الناحية العسكرية كانت العملية فاشلة وكبدت القوات المصرية أكبر الخسائر خلال هذه المدة
2-وضح من ثنايا هذا التحليل الفروق الشديدة بين القيادة العسكرية والقيادة السياسية من جهة والفروق الشديدة بين القادة العسكريين أنفسهم من جهة أخرى ثم الفروق بين القيادة العسكرية السياسية والجندي المقاتل من جهة ثالثة نوضح ذلك فيما يلي :
أ-الفرق بين القيادة العسكرية والقيادة السياسية من جهة :
حيث يتضح من ثنايا مذكرات الفريق سعد الدين الشاذلي واللواء محمد عبد الغني الجمسي والفريق عبد المنعم واصل واللواء محمد عبد الحليم أبو غزالة أن الهدف الرئيسي لحرب أكتوبر 1973 م كان تحرير سيناء كاملة وهو ما كان يتم التدريب عليه ووضع الخطط من أجله أما القيادة السياسية - الرئيس أنور السادات -فقد كان متأثراً بمقولة هنري كيسنجر له من أننا مهزومون - بعد حرب 1967 - ويجب أن نرضخ لشروط الإسرائيلين لأنهم منتصرون ، فكان السادات يرى خلق وضع من خلاله يتم تحسين الموقف المصري في مفاوضات عملية السلام وهذا ما عبر عنه أحد المحللين العسكريين من أن حرب أكتوبر - في رأي السادات - كانت " حرب تحريك ولم تكن حرب تحرير " أي حرب تحريك للموقف في المفاوضات
ب-الفروق بين القادة العسكريين أنفسهم :
تولى الفريق سعد الدين الشاذلي رئاسة أركان حرب القوات المسلحة في أغسطس 1971 وهو رجل مظلي قوي محارب وهو مؤسس سلاح المظلات المصري وخاض جميع الحروب المصرية مع العدو الإسرائيلي ومن حيث العلم العسكري هو أكثر أفراد فريق حرب أكتوبر علماً من الناحية العسكرية حيث حصل على فرق تدربية في الولايات المتحدة الأمريكية والإتحاد السوفيتي وكذلك قام بزيارات لكل من كوريا والإتحاد السوفيتي ، أما المشير أحمد إسماعيل على كان قد أحيل للإحتياط بعد نكسة 1967 بقرار من الرئيس عبد الناصر ثم أعاده السادات لسلاح المخابرات ثم ولاه وزير الحربية عام 1973 ، وكما يعبر عنه الفريق سعد الدين الشاذلي أنه كان شخصاً مريضاً بمرض سرطان الرئة مما يعني أنه طبقاً للعسكرية أنه غير لائق طبياً كما أنه شخص من الناحية الشخصية شديد التردد وكان هذا هو رأي اللواء محمد عبد الغني الجمسي أيضا ، فكان ينظر إلى السادات أنه ولي نعمته لأنه أعاده للخدمة مرة أخرى وكذلك غير خاف عن الجميع الخلاف الشديد الذي كان بينه وبين الفريق سعد الدين الشاذلي من أيام رحلة الكونغو في الخمسنات من القرن الماضي ، أما عن الرئيس السادات فلم يكن يملك من العلم العسكري أي شيئ وكما يقول الشاذلي أنه لم يمارس العسكرية إلا ثلاث سنوات خدم خلالها في سلاح الإشارة أي أن مدة خدمة القائد الأعلى للقوات المسلحة في القوات المسلحة هي 3 سنوات فقط هذا الفرق وضح جلياً في الخلاف حول تطوير الهجوم المصري لخط المضايق كما سبق وأن تم إيضاحه وكما يقول رسول الله صلى الله عليه وسلم " إرحموا ثلاثاً : عالماً بين جهلاء ، وغنياً إفتقر ، وعزيز قوم ذل " صدق رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وكما يقول على رضي الله عنه " شر الأزمنة أن يتبجح الجاهل ويسكت العاقل لكن القبة الجوفاء لا ترجع غير الصدى " بإختصار شديد كان هذا هو موقف الفريق سعد الدين الشاذلي في فريق إدارة الحرب ، أما عن باقي القيادات فكل قائد سلاح كان يعنيه سلاحه وقد أدار كل قائد سلاحه بكفاءة كما شهدت بذلك مذكرات الحرب
ج -الفرق بين القيادة العسكرية متمثلة في القائد الأعلى للقوات المسلحة والجندي :
جاء في كتاب هموم داعية للشيخ محمد الغزالي أن أحد أسباب تدهور الوضع في حرب أكتوبر هو أن القيادة لم تكن على مستوى الجندي حيث أن الجندي كان يحارب من منظور الجهاد في سبيل الله ويتمنى الموت والشهادة أما القيادة العليا كانت تخوض المعركة من أجل أهداف سياسية أخرى ودلل على ذلك بأن الشيوخ كانوا يزورون الجبهة من أجل حض الجنود على القتال والشهادة ، فكان الجندي يجاهد بينما القيادة العليا تفاوض وتناور
2-الأهداف المعلنة والغير معلنة :
جاء ذكرها في كتاب الجمسي من حيث أن السادات كان له هدف هو التوقف في الوقفة التعبوية دون أن يخبر القيادة السورية - شركاؤه في المعركة -ودون أن يصرح بذلك لقادته العسكريين ، كما أن وقف إطلاق النار الأخير لم يخبر به القادة العسكريين وإنما هو قرار إتخذه بمفرده كما جاء في مذكرات الشاذلي والجمسي
3-مهارة التوظيف :
أدار السادات هذه المهارة ببرجماتية مطلقة حيث وظف الفريق سعد الدين الشاذلي كرئيس أركان وكان وقتها برتبة لواء متخطياً أربعين لواءاً كانوا أقدم منه وذلك لكفاءته وإحترافيته العسكرية إستفادة منه ، ثم جاء بأحمد إسماعيل على كما قلنا من الإحتياط إلى سلاح المخابرات ثم إلى قيادة القوات المسلحة فكان أحمد إسماعيل لا يخالف له رأياً مع أن تنفيذ الخطة العسكرية مسؤولية قائد الجيش وليس رئيس الدولة ومن زاوية أخرى إستثمر العلاقة السيئة التي بينه وبين سعد الدين الشاذلي ليسطر على سعد الدين الشاذلي ويقيد من سلطاته في القوات المسلحة بقائده الأعلى وهما كالنقيضين تماماً ووضح هذا في موقفين هامين من مواقف حرب أكتوبر هما تطوير الهجوم والثغرة ، كما أن فريق العمليات كله تم إحتواؤه عن طريق الإنعام بالمناصب والتخلص من بعضهم بالقتل وإحالة بعضهم إلى وزارة الخارجية - سعد الدين الشاذلي - مما يشبه نظرية الركل لأعلى
4-التخطيط الجيد والحرفية العسكرية :
هذا الدرس من دروس الحرب كلها وليس مرحلة تطوير الهجوم فقط ، فقد كان المخطط الرئيسي لحرب أكتوبر - الفريق سعد الدين الشاذلي - قد وضع خطته والتى تعرف بـ " المآذن العالية " على أسس معينة هي :
أ -حرمان العدو من إستغلال تميزه في سلاح الطيران والتفوق التاريخي له فيه ، حيث قامت طائرات العدو بتدمير سلاح الطيران المصري في حرب 1967 على الأرض قبل أن يقلع الطيران المصري وخرج بذلك مبكراً من المعركة .
ب - حرمان العدو من قدرته على مهاجمة أجناب القوات ومحاولة تطويقها .
ج - إستغلال الإقتصاد الإسرائيلي ومحاولة إطالة أمد المعركة مما يكلف إسرائيل خسائر مادية وبشرية كبيرة ، والنقطة الأهم هي الخسائر البشرية حيث أن قوات الإحتياط هي من الشعب العامل مما يعني الضغط بشدة على الإقتصاد الإسرائيلي ودفعه تجاه الإنهيار تلقائياً أو على حد تعبير الفريق سعد الدين الشاذلي " سقوطه كالثمرة العفنة " وأيضاً حرمان الجيش الإسرائيلي من نظرية الحرب الخاطفة السريعة حيث أن كل الحروب السابقة كانت حروب سريعة وليست طويلة مثل 1967 وهي ما تعرف بحرب الساعات الست وكذلك حرب 1956 وكذلك حرب 1948 جميعها حروب قصيرة الأمد ، حيث كانت هذه الخطة - المآذن العالية - تقضي ببناء رؤوس الكباري وإحتلال 15 كليومتر من سيناء والبقاء في أوضاع يمكن من خلالها شن حرب إستنزاف للعدو لتكبيده أقصى خسائر ممكنه ، فكان من جراء هذه الخطة النجاح الباهر في أولها حتى إذا خرج الجيش عنها وحدث تطوير الهجوم كانت الثغرة حصار وتطويق الجيش الثالث الميداني ، أما عن فكرة التطوير السريع للهجوم دون توقف التي طرحها اللواء الجمسي وإستغلال القتال المتلاحم وإشتباك القوات مما يحد من تأثير الطيران الإسرائيلي فهي مردود عليها أيضا حيث أن جندي المشاة لا يمكنه إحتلال الأرض دون غطاء جوي فبإفتراض أن القوات المصرية نجحت في إحتلال خط المضايق دون غطاء جوي وحتى يتم نقل قوات الدفاع الجوي وتجهيز المطارات الداخلية في سيناء فهذا يعني وقوعها كفريسة سهلة ولقمة سائغة للطيران الإسرائيلي مما يعني أن خطة " المآذن العالية " كانت خطة حتمية التطبيق وفقاً للظروف و الإمكانيات العسكرية .
5 -التضليل الإعلامي وقلب الحقائق و إختلاق الأكاذيب :
لعب السادات خلال الحرب كلها دوراً إعلامياً مضللاً إلى حد بيعيد تمثل ذلك فيما يلي :
أ - نسب عملية التخطيط لحرب أكتوبر للمشير أحمد إسماعيل في حين أن المخطط الرئيس للحرب هو الفريق سعد الدين الشاذلي
ب -حسب ما جاء في مذكرات الشاذلي أن السادات بعدما دب الخلاف بينه وبين الشاذلي على أشده طلب من وسائل الإعلام محو صور الشاذلي من صور فريق إدار الحرب الشهير
ج - نفيه الكامل للثغرة وإستدعاؤه للمشير أحمد إسماعيل في مجلس الشعب وقيامه بإستجوابه حول الثغرة وعبور القوات الإسرائيلية للقناة وإحتلال مدينة السويس وهذا الموقف هو للإستعراض الإعلامي وليس من حق رئيس الجمهورية أن يجرى إستجواباً بنفسه فالإستجواب حق لأعضاء البرلمان وليس لرئيس الجمهورية
د - إدعاء السادات في كتاب البحث عن الذات أن سعد الدين الشاذلي عاد من الجبهة بعد إستطلاع الثغرة منهاراً مما دفعه لتنحيته عن رئاسة أركان حرب القوات المسلحة وهو ما نفاه الجمسي في مذكراته وما نفاه أيضاً الفريق سعد الدين الشاذلي حيث ظل يمارس عمله كرئيس لأركان حرب القوات المسلحة حتى ديسمبر 1973 كما جاء في مذكراته وأحاديث
هـ - محاولته تبرير فشل تطوير الهجوم المصري نتيجة للتدخل الأمريكي المباشر في الحرب عن طريق الجسر الجوي وطائرات الإستطلاع الأمريكية وإستطلاعها للجبهة المصرية مرتين متتاليتين وإن صحت الأخيرة فالأولى ليست صحيحة حيث أثبت الفريق سعد الدين الشاذلي من أن الجسر الجوي السوفيتي أمد القوات المسلحة المصرية بالأسلحة والعتاد أكثر مما أمد الجسر الجوي الأمريكي القوات ، الإسرائيلية ، صحيح أن الإمداد الجوي الأمريكي كان أكفأ من حيث النوعية إلا أن كمية السلاح السوفيتي كان أكثر من الأمريكي
و - رفضه لخطة الشاذلي في القضاء على الثغرة وتعمد التشويه الإعلامي لها
ر - وضع السادات نفسه على رأس فريق العمليات في حين أنه لم يشترك لا في التخطيط ولا التحضير بل بالعكس ثبت من أن تطوير الهجوم كان بتدخل منه وأن تدخلاته كانت من الأسباب الرئيسية في تدهور الوضع
6- البعد الديني في المعركة :
جاء في كتاب اللواء محمد عبد الحليم أبو غزالة أن خطة حرب أكتوبر المشتركة بين القوات المصرية والسورية كان إسمها " بدر " وكذلك توقيت الهجوم وهو 10 رمضان يتوافق - حسب رأيه - مع توقيت غزوة بدر أيضاً جاء على لسان الشاذلي أنه هو اول من نبه إلى نداء " الله أكبر " الشهير في المعركة ووزع مجموعات بميكروفونات حتى إذا بدأ العبور تبدأ هذه المجموعات بالتكبير ويؤيد هذا أيضاً ما جاء في كتاب مذكرات داعية للشيخ محمد الغزالي عن حرب أكتوبر
في الحلقة القادمة :
معركة الغزالة أو القلب الشجاع أو ما يعرف بالدفرسوار أو الثغرة
مراجع الموضوغ :
1-مذكرات حرب أكتوبر للفريق سعد الدين الشاذلي
2-مذكرات حرب أكتوبر للواء محمد عبد الغني الجمسي
3-وإنطلقت المدافع عند الظهر للواء محمد عبد الحليم أبو غزالة قائد المدفعية في حرب أكتوبر
4-قصة حياتي " موشي ديان " وزير الدفاع الإسرائيلي
5- إعترافات جولدا مائير رئيسة الوزراء الإسرائيلية أثناء حرب أكتوبر
6-مذكرات أيلي زعيرا رئيس المخابرات الإسرائيلية أثناء حرب أكتبر
7- تحت القراءة الصراع العربي الإسرائيلي للفريق عبد المنعم واصل قائد الجيش الثالث الميداني
8- مذاكرات هنري كيسنجر

Wednesday, February 24, 2010

الصبر ... الرضا ... الأجل

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
هذا الدرس الذي أضعه بين أيديكم هو درس هام من دروس مدرسة الدهر وليس من بطون الكتب ، فالصبر والرضا والأجل هم مفاتيح النجاة من أزمة ، فبالصبر والرضا يقطع المبتلى حياته في عبادة متواصلة مع المولى جل وعلا ثم يأتي الأجل ليقطع رحلة البلاء والشقاء التي يعيشها المبتلى ، هذا الدرس هو من ثنايا الحس والمشاهدة وكما قالوا " ليس المعاين كالمخبر " وأقول لكم أن من قطع عمره في دراسة كتب الزهد والرقائق بدءاً من إحياء علوم الدين وإنتهاءاً بالرقائق للراشد لن يحصل ما يحصله من مشاهدة كلام هذه السيدة يرحمها الله ، وقديما قال التابعي عبد الله بن عكيم رضي الله عنه لتلاميذه " أحدثكم بما رأيت أم بما قرأت ؟؟؟ قالوا بل حدثنا بما رأيت ، قال : رأيت عبد الملك بن مروان توفى وترك لأولاده الضياع والأموال ورأيت الولد منهم يتكفف الناس ، ورأيت عمر بن عبد العزيز رضي الله عنه توفى ولم يترك لأولاده شيئاً ورأيت الولد منهم ينفق على الجيش بأكمله ، فموضوع اليوم هو من قبيل الحديث بما رأيت لا بما قرأت ، أسوق لسيادتكم هذه الدروس لعل الله تعالى ينفعنا بها جميعا وينقفذنا من براثن أنفسنا أولاً ثم من براثن الدنيا فالخطر الداهم أولا يأتي من النفس :
1- معنى الغنى معنى قلبي وليس عن كثرة العرض كما جاء في حديث النبي صلى الله عليه وسلم " ليس الغنى عن كثرة العرض وإنما الغنى غنى النفس " صدق رسول الله صلى الله عليه وسلم فلو حذت الدنيا كلها ولم تقنع نفسك فأنت أفقر من أي فقير ، هذه السيدة بإلحاح من محاورها أخبرته بمرضها ثم أبت عليه أن تطلب منه شيئا ً وهي لم تتعلم ما تعلمناه ولم تفقه ما فقهناه
2- معنى الصبر هو الصبر الذي لا شكوى معه ، هو الصبر عن طيب نفس ، هو الرضا واللجوء الكامل إلى الله تعالى هذا ما لمسته من حديث هذه السيدة يرحمها الله ، فأحسب أن حديثها من باب حديث القلوب لا من حديث الألسن
3-هذه الحادثة جديرة أن توضع تحت المجهر للتحليل والتدقيق وإستخراج العبر والعظات فدروس الدهر أولى بالوقوف عندها وكما يقول الشافعي رضي الله عنه " كلما أدبني الدهر أراني نقصاً في عقلي وكلما إزددت علماً إزددت يقيناً بجهلي " وأنا أدعوك إلى مراجعة نفسك مراجعة شديد بعد مشاهدة هذا الفيديو وإذا لم تدمع عينيك فاعلم أن فيك خلل كبير وبقلبك قسوة فرغ نفسك لعلاجها ، فمشاهدة أهل البلاء وعيادة المرضى وزيارة الموتى وإتباع الجنائز كلها من مرققات القلوب كما في كلام عائشة رضي الله عنها
4-يأتي الحديث عن الأجل وكما كان علي رضي الله عنه يقول " نعم الحارس الأجل " وكان أبو الدراء يقول " أحب للمؤمن الفقر والمرض والموت " وهذه الثلاثة تمثلت في هذه السيدة - يرحمها الله - ثم جاء الأجل لينهي معاناتها ، وبنهاية الأجل تنتهي رحلة الحياة ويجتمع الجميع عند الله المنعم والمبتلى ولكن شتان بينهما في الأجر والدرجات ، وكان أحد الناس يسير مع بشر بن الحارث الحافي فقال له " يا بشر عشطان ، فقال له نشرب من البئر القادمة ححتى إذا جاءت البئر القادمة قال له يا بشر عطشان ، فقال له نشرب من البئر القادمة ، حتى أنقضت الرحلة ولم يشرب ثم قال له هكذا تنقضي الحياة ، وعرف أحمد بن حنبل رضي الله عنه الزهد فقال " هو طعام دون طعام ولباس دون لباس وإنما هي أيام قلائل ولا تنظر إلى أحوال المترفين وتلمح عواقبهم ، وعلل الناقة بالحدو تسر " والشاهد من كلامه رضي الله عنه هو قوله وإنما هي أيام قلائل
5-أخيراً بحديثها تذكرت عمر بن عبد العزيز رضي الله عنه حين قالت فاطمة زوجه " دخلت يوما ً على عمر بن عبد العزيز رضي الله عنه وهو واضعاً يده على خده في مصلاه ودموعه تسيل على خديه فقالت ما يبكيك يا عمر ؟ فقال لها " ويحيك يا فاطمة لقد وليت من أمر هذه الأمة ما وليت ، فتفكرت في الجائع الفقير ، والمريض الضائع ، والعاري المجهود ، واليتيم المكسور ، والأرملة والوحيد والمظلوم المقهور ، والغريب والأسير والشيخ الكبير ، وذي العيال الكثير والمال القليل ، وأشباههم في أقطار الأرض وأطراف البلاد ، فعلمت أن ربي سيسألني عنهم يوم القيامة ، وأن خصمي دونهم محمد صلى الله عليه وسلم ، فخشيت أن لا يثبت لي حجة عند خصومته فرحمت نفسي فبكيت
أتركك حضراتكم مع الفيديو وهو موجود على شبكة الإنترنت ومحركات البحث ولا أنسبه لنفسي ولكن مثله لا يضيع دونما تعليق
رابط الموضوع في اليوتيوب بعنوان " لقاء مع أغنى إمرأة في مصر " .

Friday, August 28, 2009

محاور التغيير في مدرسة رمضان

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
قد تصنع أحداث ومجريات الحياة من المرؤ قطارا لا يعرف إلا قضيباه الذان يمشي عليهما فلا يستطيع أن يحيد عنهما يمنة ولا يسرة ، فتراه يقطع سحابة يومه في عمل مضني ثم يؤول في نهاية يومه إلى فراشه قتيلا من التعب حتى يصبح حال المرؤ كما وصف في الحديث " حمار بالنهار جيفة بالليل " إلا من رحم ربي ، هذا القطار لا بد له حتى يخرج عن هذين القضيبين من شخص يملك عصا يستطيع بها أن يحول مساره ويخرجه عن مألوفه ، هذا " المحولجي " في حياتنا هنا " شهر رمضان المعظم " ، ولأمر ما جعل الله تعالى صيام رمضان فريضة ولم يجعله تطوعا ذلك لأنه لو جعله تطوعا لخف إليه أصحاب الهمم العالية فقط وهؤلاء في الناس قليل عن إبن عمر رضي الله عنه قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم " تجدون الناس كأبل مائة لا يجد الرجل فيها راحلة " صدق رسول الله صلى الله عليه وسلم ،رواه مسلم ، نحاول في هذه الإطلالة السريعة أن نستعرض كيف يستطيع شهر رمضان أن يغير حياتنا على كافة الأصعدة ؟؟ هذا طبعا إذا أمتثلنا لأمرربنا وأقتدينا بنبينا صلى الله عليه وسلم وكيف كان يصنع في شهر رمضان ، نقول وبالله التوفيق إن محاور التغيير في شهر رمضان هي :
المحور الأول :المحور الصحي :
قال الله تعالى في سورة البقرة " وأن تصوموا خير لكم إن كنتم تعلمون " سورة البقرة الآية 184 ، نعم فالصيام خير ولكن ليس كلنا يعلم ذلك ولاحظ ذكر تفضيل الصيام بعد ذكر الرخصة بالفطر ، فرغم إباحة الفطر لأحوال الضرورة والعذر إلا أن الصوم خير ، وفي السنة حدَّثنا زهيرُ بنُ محمَّدٍ ، عنْ سهيلِ بنِ أبي صالحٍ ، عنْ أبيهِ ، عن أبي هُريرةَ ؛ قالَ : قالَ رسولُ اللَّهِ _ صلَّى اللَّهُ عليهِ وسلَّمَ _ : " اغْزُوا تَغْنَمُوا ، وصُومُوا تَصِحُّوا ، وسَافِرُوا تَسْتَغْنُوا " .وَجَاءَ لفظُهُ عندَ أبي عروبةَ والعُقيليِّ : " اغْزُوا تَغْنَمُوا ، وصُومُوا تَصِحُّوا ، وسافِرُوا تَصِحُّوا " .واقتَصَرَ أبو نُعيمٍ عَلَى عبارةِ : " صُومُوا تَصِحُّوا " .قالَ الطَّبرانيُّ : " لَمْ يَرْوِ هَذَا الحديثَ عنْ سُهَيْلٍ _ بهذا اللَّفظِ _ إلاَّ زُهيرُ بنُ محمَّدٍ " . وفي القول الدارج على لسان العامة " جوعوا تصحوا " قال الطبيب العربي الحارث بن كلدة" المعدة بيت الداء والحمية رأس الدواء " ، فخلو المعدة من الطعام عامل هام جدا من عوامل الصحة بالنسبة للإنسان ، ولقد عجبت كل العجب لأحوال البشر الذين يضجون من الصيام كعبادة ومن رمضان كشهرورأيت الواحد منهم ينفق الآلاف عند الأطباء من أجل أن ينقص وزنه وتراه يعاني من أقسى أنواع الرجيم وإذا جالسته رق قلبك لحاله وجرى دمعك لمقاله وهو في هذا غير مأجور فما بالك وقد منحك الله تعالى فرصة ذهبية كي تنقص وزنك وبغير تكلفة مادية بل وأنت مأجور عليها من رب العالمين إن كان ثمة فهم ، فالمسلم الملتزم بأوامر الله ورسوله في شهر رمضان أعتقد أنه بإستطاعته أن ينقص وزنه خمسة كليوجرامات أو أكثر في شهر رمضان دون طبيب ودون رجيم
المحور الثاني : المحور الإقتصادي
من المعلوم عقلا أننا ننقص وجبة من وجباتنا الثلاث فنقتصر على وجبتين فقط ، وإذا سلمنا للمنطق العقلي الرياضي فمعنى ذلك أننا نوفر قيمة هذه الوجبة من الإستهلاك ، وعلى المستوى الكلي لك أن تتصور ماذا يحدث توفير وجبة في الإقتصاد القومي ككل ، فلو تصورنا أن الأسرة في مجتمعنا تتكون في المتوسط من خمسة أفراد هذا يعني أن تعداد شعب مصر ( 80 مليون نسمة ) يتكون من 14مليون أسرة ولو تصورنا جدلا أن قيمة الوجبة التي تم توفيرها هي ( 10 جنيهات ) عشرة جنيهات فقط يصبح مقدار ما تم توفيره على مستوى الإقتصاد القومي ( 140 مليون جنيه ) هذا طبعا بعد إستبعاد غير المسلمين من التعداد ، ولكن الذي يحدث هو عكس ذلك حيث يتضخم الإستهلاك في رمضان عنه في أي شهر من الشهور الأخرى هذا ليس من حكمة و أهداف الصيام الذي شرعه الله تعالى .
المحور الثالث :المحور الأخلاقي
وهو المحور الأساس والذي من أجله شرع الصيام ، ولقد تعمدت تأخيره حتى لا يضج القارئ منه فالكل يتوقع ممن يكتب عن الصوم أن يبدأ به لأنه هو الهدف الذي من أجله شرع الصيام ، تعالى معي نستعرض هذه الأحاديث حتى ندرك الحكمة والمغزى من الصيام :
1- عَنْ ‏ ‏أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ الله عَنْهُ، ‏ عَنِ النَّبِيِّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏قَالَ: "‏مَنْ لَمْ يَدَعْ قَوْلَ الزُّورِ وَالْعَمَلَ بِهِ وَالْجَهْلَ فَلَيْسَ لِلَّهِ حَاجَةٌ أَنْ يَدَعَ طَعَامَهُ وَشَرَابَهُ". أخرجه أحمد (2/443 ، رقم 9717) ، والبخاري (5/2251 ، رقم 5710) ، وأبو داود (2/307 ، رقم 2362) ، والترمذي (3/87 ، رقم 707) وقال : حسن صحيح . وابن ماجه (1/539 ، رقم 1689) ، وابن حبان (8/256 ، رقم 3480) . وأخرجه أيضًا : البغوي فى الجعديات (1/414 ، رقم 2831) ، والنسائي فى الكبرى (2/238 ، رقم 3246) ، والبيهقي (4/270 ، رقم 8095). قال ابن رجب رحمه الله: "وسر هذا أن التقرب إلى الله تعالى بترك المباحات لا يكمل إلا بعد التقرب إليه بترك المحرمات، فمن ارتكب المحرمات، ثم تقرب بترك المباحات، كان بمثابة من يترك الفرائض ويتقرب بالنوافل.انتهى كلامه رحمه الله
2-عن أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : ( إذا كان يوم صوم أحدكم فلا يرفث ، ولا يصخب ، فإن سابه أحدٌ أو شاتمه ، فليقل : " إني امرؤٌ صائم " ) أخرجاه في الصحيحين .فقوله ( سابه ) : أي شتمه وتعرض لمشاتمته .وقوله ( قاتله ) أي نازعه ودافعه .وقوله ( إني امرؤٌ صائم )
قال النووي رحمه الله :( اختلفوا في معناه ،، فقيل :
1- يقوله بلسانه جهراً يُسمعْهُ الشاتم والمقاتل فينـزجر غالباً .
2- لا يقوله بلسانه ، بل يُحدث به نفسه ، ليمنعها من مشاتمته ومقاتلته ، ويحفظ صومه من المكدرات .
ولو جمع بين الأمرين لكان حسناً ) .
* ومما يستفاد من هذا الحديث :
1- حث الصائم على لزوم الحلم وكظم الغيظ .
2- مقابلة الإساءة بالإحسان
: أ - لأجل أن يصون صيامه عن المكدرات .
ب - ولأجل أن يتربى على تلك الفضيلة العظيمة . فتكون دأباً له يتمثَّلهُ في سائر أيامه ، وكافة أحواله وتقلباته .
وإذا كان الصائم مكلفا بعدم رد الأذى ودفعه عن نفسه لا لشيئ إلا لأنه صائم فمن باب أولى أنه مكلف بعدم إيذاء أحد من المسلمين سواءا بالقول أو بالفعل أو بأي صورة من صور الإيذاء لأن هذا يخالف معنى الصيام أولا ومعنى الإسلام ثانيا حيث يقول الرسول صلى الله عليه وسلم " المسلم من سلم المسلمون من لسانه ويده" صدق رسول الله صلى الله عليه وسلم ، هذا هو معنى صيام الجوارح الذي تناوله السلف في كتبهم
3- وعن عبد الله بن مسعود -رضي الله تعالى عنه- قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: يا معشر الشباب من استطاع منكم الباءة فليتزوج؛ فإنه أغض للبصر وأحصن للفرج، ومن لم يستطع فعليه بالصوم فإنه له وجاء متفق عليه.
كذلك يصوم اللسان والسمع والبصر عما حرم الله تعالى ويعلم العبد إنه إذا إغتاب أحدا أو قذف أحدا فهو بذلك مخالف لآداب الصيام فيفرض بذلك سياجا شديدا حول جوارحه يحول بينها وبين الرزايا والمعاصي
المحور الرابع : المحور الإجتماعي
حيث يوحد شهر رمضان ويجمع الناس كلهم في القطر الواحد أو ربما في الأقطار كلها في وقت إفطار واحد ووقت سحور واحد ويجتمعون في صلاة واحدة وإن لم تكن فريضة وهي صلاة القيام كل هذا يعطي صورة لوحدة المسلمين المفقودة ، فمن المعلوم أن لكل منا ظروفه التي تختلف عن الآخر فربما يرجع هذا من عمله في وقت متأخر وهذا مبكر ، أما أن يجتمع الكل على الطعام في وقت واحد فهذا ما الا يحدث إلا في شهر رمضان ، والأعظم من ذلك هو شعور التكافل التراحم الذي يسير في خطين متوازيين وهما خط الفريضة وخط التطوع ، حيث الجميع مطالب بزكاة الفطر على سبيل الفريضة وندب الشرع من إستطاع إلى إفطار الصائم وسد حاجة المحتاج فيتذكر المرؤ ضعف الضعيف وجوع الجائع وحاجة المحتاج ويتذكر أجر مفطر الصائم وما للصدقة من أجر في رمضان فتجد أن المجتمع تعمه روح التكافل والتراحم
المحور الخامس : المحور الإيماني التعبدي
حيث يضاعف الله تبارك وتعالى الفريضة بأجر سبيعين والسنة بأجر الفريضة وفي هذا تحفيز وتنشيط للهمم أن تتسابق في طاعة الله تعالى ، ويخبر سبحانه أنه هو الذي يجزي على الصوم لا أحد غيره حيث يقول رسول الله صلى الله عليه وسلم فيما يرويه عن ربه عز وجل أنه قال""كل عمل ابن آدم له إلا الصوم فإنه لي وأنا أجزي به" [رواه الإمام البخاري في صحيحه ج2 ص226 من حديث أبي هريرة رضي الله عنه. بنحوه.] ، كما أن رمضان منحة لمغفرة الذنب قطع النبي صلى الله عليه وسلم على من لم يغتنمنها بالخيبة والخسارة حيث يقول النبي صلى الله عليه وسلم " خاب وخسر من أدرك رمضان ولم يغفر له " صدق رسول الله صلى الله عليه وسلم ، ثم أنظر معي إلى ما أودعه الله تعالى في هذا الشهر من نفحات وأعطيات حيث يقول رسول الله صلى الله عليه وسلم :
عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: ( مَنْ صَامَ رَمَضَانَ إِيمَانًا وَاحْتِسَابًا غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ)
وعنه أيضاً أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم قَالَ ( مَنْ قَامَ رَمَضَانَ إِيمَانًا وَاحْتِسَابًا غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ)
و عنه أيضاً قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم : (مَنْ قام لَيْلَةَ الْقَدْرِ إِيمَانًا وَاحْتِسَابًا، غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ) ، ويكأنها فرص إذا فاتتك إحداها أدركت الأخرى وإذا فاتك الجميع فقد خسرت خسرانا مبينا ، ثم أتساءل معك ما هي العلة من تقسيم الله تعالى الشهر إلى ثلاثة أثلاث حيث يقول النبي صلى الله عليه وسلم أوله رحمة وأوسطه مغفرة وآخره عتق من النار " صدق رسول الله صلى الله عليه وسلم ، هذا لتحفيز الهمم وعدم غلق الباب أمام من أعتراه التقصير في أي من أيام الشهر،
ويكأن رمضان جاء ليقول لك:
يا من تقصر في صلاة الجماعة هلم إلى صلاة الجماعة فالفريضة بسبعين فريضة ،
يامن تبخل بمالك من فطر صائما فله مثل أجره من غير أن ينقص ذلك من أجره ،
يا من تؤذي الناس كف أذاك عن الناس حتى يصح صومك ،
لو أمعنا النظر في هذه المحاور لوجدنا أنا يد رمضان قد أمسكت " بعصا التحويلة " وجاءت كي تحولنا عن خط التقصير في جنب الله وتضعنا على المسار الصحيح ، على المسار الصحيح في الأخلاق والعبادات والمعاملات والإنفاق وفي كل شيئ ، ولكن هل فقه رسالة رمضان من عاد بعد رمضان كما كان قبل رمضان ؟؟؟؟؟!!! نسأل الله تعالى العافية
نلتقي في مرة أخرى بإذن الله تعالى

Friday, August 7, 2009

لحن الحجة ولي عنق الحقيقة

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته

لا تخلو حياة المرؤ من خصومة أو عداوة تقع بينه وبين أحد الناس ، وليس الخطر في الخصومةوإنما الخطر فيما يترتب عليها ، فقد يدفعه حب الإنتصار لنفسه والفوز في هذا الموقف إلى الخروج عن دائرة الحق والسقوط في الإثم وهذا ما نود تحليله في هذا المقال

إستهلال:

كان من دعاء النبي صلى الله عليه عليه وسلم " .... أسألك كلمة الحق في الغضب والرضا " صدق رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فجمهور الناس على عكس ذلك بمعنى أن من رضي عنك أذاع خيرك وكتم شرك وهو هو نفس الشخص إذا غضب عليك أذاع شرك وستر وجحد خيرك ، والمقسطون الذين هم على منابر من نور على يمين الرحمن وكلتا يدي الرحمن يمين كما جاء في حديثه صلى الله عليه وسلم هم الذين يعدلون في أنفسهم وأهليهم وما ولوا ، وقمة العدالة أن تكون مع الخصم ، وقمة العدالة أن تكون مع العدو

( 2 ) صور العدالة :

للعدالة صور كثيرة لا يختلف حولها الناس ولكن قلنا أن أهم صور العدالة نلخصها فيما يلي :

1-العدل مع الخصم حتى لو على النفس وذوي القربى :

الآية : 135 في سورة النساء {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ شُهَدَاءَ لِلَّهِ وَلَوْ عَلَى أَنْفُسِكُمْ أَوِ الْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ إِنْ يَكُنْ غَنِيّاً أَوْ فَقِيراً فَاللَّهُ أَوْلَى بِهِمَا فَلا تَتَّبِعُوا الْهَوَى أَنْ تَعْدِلُوا وَإِنْ تَلْوُوا أَوْ تُعْرِضُوا فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيراً}

جاء في تفسير القرطبي في هذه الآية أن السلف الصالح رضوان الله عليهم كانوا يجيزون شهادة الزوجة لزوجها وشهادة الزوج لزوجته وشهادة الوالدين للولد والولد للوالدين ولما أحدث الناس أمور تغيرت بها العدالة وظهرت المنفعة من وراء الشهادة أبطلواهذه الشهادة هذه واحدة، يقول عبد الله بن عباس رضي الله عنه في تعليقه على هذه الآيه "أمروا أن يقولوا الحق ولو على أنفسهم " المعنى متضح هو أن ترسي الحقيقة وتظهرها وتجليها حتى ولو كانت هذه الحقيقة ضد مصلحة الإنسان أو والديه أو الأقربين بل ولربما فيها هلاكه وفي هذا يقول القرآن في سورة المائدة " يا أيها الذين آمنوا كونوا قوامين لله شهداء بل القسط ولا يجرمنكم شنئان قوم على ألا تعدلوا ، إعدلوا هو أقرب للتقوى وإتقوا الله إن الله خبير بما تعملون " سورة المائدة الآية رقم ( 8 ) جاء فيها أيضا في تفسير القرطبي "
ودلت الآية أيضا على أن كفر الكافر لا يمنع من العدل عليه ، وأن يقتصر بهم على المستحق من القتال والاسترقاق ، وأن المثلة بهم غير جائزة وإن قتلوا نساءنا وأطفالنا وغمونا بذلك ؛ فليس لنا أن نقتلهم بمثله قصدا لإيصال الغم والحزن إليهم ؛ وإليه أشار عبد الله بن رواحة بقوله في القصة المشهورة : هذا معنى الآية. وتقدم في صدر هذه السورة معنى قوله : { وَلا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ } . وقرئ { وَلا يُجْرِمَنَّكُمْ } قال الكسائي : هما لغتان. وقال الزجاج : معنى { لا يُجْرِمَنَّكُمْ } لا يدخلنكم في الجرم ؛ كما تقول : آثمني أي أدخلني في الإثم. ومعنى { هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى } أي لأن تتقوا الله. وقيل : لأن تتقوا النار." أي لا يجوز معاملة الأعداء بمثل معاملتهم ولا إنتهاج نهجهم من المناهج والأساليب الباطلة لإيصال الإيذاء إليهم كما آذوا المسلمين وفي هذا إشعار للعدالة مع الأعداء أيما إشعار

( 2) - العدل في إستيفاء الحق :

فمن صور العدالة مع الخصم العدل في إستيفاء الحق وعدم الزيادة عليه فيأخذ أكثر من حقه كما في قصة إستشهاد حمزة رضي الله عنه فقد أقسم النبي صلى الله عليه وسلم لما رأي عمه رضي الله عنه مقتولا ممثلا به ليمثلن بسبعين من المشركين وقال " والله ما أوقفتني قريش موقفا هو أغيظ لي من هذا الموقف " ولما رأي المسلمون ذلك كلهم أقسموا كقسم النبي صلى الله عليه وسلم فنزلت الآية " وإن عاقبتم فعاقبوا بمثل ما عوقبتم به ولئن صبرتم لهو خير للصابرين " سورة النحل والصبر خير من أخذ الحق أيضا في سورة البقرة في قول الله تعالى "الشهر الحرام بالشهر الحرام والحرمات قصاص فمن إعتدى عليكم فاعتدو عليه بمثل ما أعتدى عليكم واتقوا الله وأعلموا أن الله مع المتقين " سورة البقرة آية ( 194 )

( 3) - العدالة في عرض الحجة :

فعلى المرؤ أن يأتي بحجته مجردة عن الإنطباعات الشخصية أو التنميقات أو فصاحة اللسان وحلاوة البيان أو ما إلى ذلك من الأساليب الإعلامية التي يكون من شأنها لي عنق الحقيقة وصرف أنظار الناس إليه على أنه صاحب الحق وهو غير ذلك أو قد يكون صاحب جزء من الحق ويحاول بحجته وأسلوبه وبيانه أن يأخذ الجزء الآخر فكل ذلك مما نهى عنه الشرع الحنيف والسنة المطهرة ، وما أساليب وسائل الإعلام من صحافة وجرائد ومجلات وإذاعة وتلفزيون ومواقع نت بخافية أو بعيدة فقد يكون الشخص صاحب حق ويصوره الإعلام على أنه مجرم عتيد الإجرام وهذا كله حرام ولو إنتهج المظلوم هذا الأسلوب محاولة إلى وصوله إلى حقه أو بعض حقه لوقع بذلك في الحرام ،، وجاء في كتاب صحيح البخاري ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْلَمَةَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏مَالِكٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِيهِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏زَيْنَبَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أُمِّ سَلَمَةَ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا ‏ ‏أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏إِنَّكُمْ تَخْتَصِمُونَ إِلَيَّ وَلَعَلَّ بَعْضَكُمْ ‏ ‏أَلْحَنُ ‏ ‏بِحُجَّتِهِ مِنْ بَعْضٍ فَمَنْ قَضَيْتُ لَهُ بِحَقِّ أَخِيهِ شَيْئًا بِقَوْلِهِ فَإِنَّمَا أَقْطَعُ لَهُ قِطْعَةً مِنْ النَّارِ فَلَا يَأْخُذْهَا ‏" صدق رسول الله صلى الله عليه وسلم أيضا جاء الحديث بروايات متعدد نسوقها للفائدة:

( 1 ) حدثنا أبو بكر قال حدثنا وكيع قال حدثنا هشام بن عروة عن أبيه عن زينب بنت أم سلمة عن أم سلمة قالت : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : إنكم تختصمون إلي ، وإنما أنا بشر ، ولعل بعضكم أن يكون ألحن بحجته من بعض ، وإنما أقضي بينكم على نحو مما أسمع منكم ، فمن قضيت له من حق أخيه بشيء فلا يأخذه ، فإنما أقطع له قطعة من النار يأتي بها يوم القيامة .

( 2 ) حدثنا أبو بكر قال حدثنا وكيع قال حدثنا أسامة بن زيد الليثي عن عبد الله بن رافع مولى أم سلمة عن أم سلمة قالت : جاء رجلان من الأنصار إلى النبي صلى الله عليه وسلم يختصمان في مواريث بينهما قد درست ليس لهما بينة ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : إنكم تختصمون إلي ، وإنما أنا بشر ، ولعل بعضكم أن يكون ألحن بحجته من بعض ، وإنما أقضي بينكم على نحو مما أسمع منكم ، فمن قضيت له من حق أخيه بشيء فلا يأخذه ، فإنما أقطع له به قطعة من النار ، يأتي بها إسطاما في عنقه يوم القيامة ، قالت : فبكى الرجلان وقال كل منهما : حقي لأخي ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : أما إذ فعلتما فاذهبا واقتسما وتوخيا الحق ثم ليحلل كل واحد منكما صاحبه .

( 3 ) حدثنا أبو بكر قال حدثنا محمد بن بشر الغنوي قال حدثنا محمد بن عمرو قال حدثنا أبو سلمة عن أبي هريرة قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : إنما أنا بشر ، ولعل بعضكم أن يكون ألحن بحجته من بعض ، فمن قطعت له من حق أخيه قطعة فإنما أقطع له قطعة من النار [ ص: 357 ]

( 4 ) حدثنا أبو بكر قال حدثنا وكيع قال حدثنا ابن عون عن إبراهيم عن شريح أنه كان يقول للخصوم : سيعلم الظالمون حق من نقصوا ، إن الظالم ينتظر العقاب ، وإن المظلوم ينتظر النصر .

( 5 ) حدثنا أبو بكر قال حدثنا ابن أبي زائدة عن عوف عن محمد قال : كان شريح مما يقول للخصيم : يا عبد الله ، والله إني لأقضي لك وإني لأظنك ظالما ، ولكني لست أقضي بالظن ، ولكن أقضي بما أحضرني ، وإن قضائي لا يحل لك ما حرم عليك .

من ثنايا الحديث فمن اللحن بالحجة إستغلال جهل القاضي أو السامع بمسألة معية والتوسع في ذكر تفاصيلها ومن اللحن بالحجة توسيع الأمر وتحميله ما لا يحتمل ومن اللحن في الحجة السبق بالشكوى ولبس لباس المظلوم وإدعاء الحق وفي هذا يقول عمر بن الخطاب رضي الله عنه " من جاء مفقوء العين فلا تحكم له فلربما فقأ عيني الآخر " يعني هذا أنه على السامع والقاضي ألا ينساق وراء التضليل الإعلامي الذي يحدث فلربما نسج أحد الخصمين حول نفسه غلالة من المسكنة وهو في الحقيقة كاذب أو ربما ظالم ومن أعظم الجنايات المبنية على رغبة النفس في الإنتقام والتشفي ولي عنق الحقيقة هي شهادة الزور واليمين الغموس وهي من قبيل لي عنق الحقيقة واللحن بالحجة أيضا فهما قد إتحدا في العلة وكما يقول علماء الأصول أن الإتحاد في العلة يعطي نفس الحكم ، اللاحن بحجته يلحن ليكسب موقفا كذلك الشاهد بالزور يشهد ليكسب شخص موقفا ربما يعود بالنفع عليه ومثله مثل الحالف باليمين الفاسقة ولهذا عدها النبي صلى الله عليه وسلم من الكبائر وعن أبي بكرة – – قال : قال النبي صلى الله عليه و سلم : " ألا أنبئكم بأكبر الكبائر ( ثلاثاً ) ؟ قالوا : بلى يا رسول الله ، قال : الإشراك بالله و عقوق الوالدين و جلس وكان متكئاً فقال : ألا و قول الزور " قال : فما زال يكررها حتى قلنا : ليته سكت ". رواه البخاري و مسلم ، قال ابن حجر في قوله: " و جلس و كان متكئاً " يشعر بأنه اهتم بذلك حتى جلس بعد أن كان متكئاً ، و يفيد ذلك تأكيد تحريم الزور وعظم قبحه ، و سبب الاهتمام بذلك كون قول الزور أو شهادة الزور أسهل وقوعاً على الناس ، و التهاون بها أكثر ، فإن الإشراك ينبو عنه قلب المسلم ، و العقوق يصرف عنه الطبع ، و أما الزور فالحوامل عليه كثيرة ، كالعداوة و الحسد وغيرها ، فاحتيج للاهتمام بتعظيمه و ليس ذلك لعظمها بالنسبة إلى ما ذكر معها من الإشراك قطعاً ، بل لكون مفسدة الزور متعدية إلى غير الشاهد بخلاف الشرك فإن مفسدته قاصرة غالباً.إنتهى

** الشاهد :
علينا جميعا أن نبتعد عن اللحن بالحجة وألا نعيب على الناس أفعالهم و نأتي بها فلك أن تتخيل أن أحد الناس كان خصما لك وفاقك في صياغة حجته وأنت صاحب الحق حتى عمى على القاضي الحقيقة وإنتزع حقك ماذا يكون شعورك تجاهه ؟؟؟
ألا هل بلغت .... اللهم فأشهد
نلتقي في مرة أخرى بإذن الله تعالى


Wednesday, June 24, 2009

نصر للإسلام رأيته بعيني - تسجيل فيديو

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
لا يظنن ظان أن هذا العنوان للدعاية أو للعب بالعواطف ولكنها فعلا حقيقة رأيتها بعيني هنا في العاصمة الإمارتية أبو ظبي وتحديدا في مسجد محمد بن زايد وهو من أكبر مساجد العاصمة ، في خلال إقامتي شهدت ثلاثة حالات لإشهار الإسلام ، و لكم كان هذا الموقف رهيبا ترتجع فيه المشاعر وتهتز ، حتى أنه في أحد هذه المواقف وقف هذا الوافد الجديد على الإسلام بجوار إمام المسجد حتى يشهر إسلامه أمام جموع المصلين وبعدما إنتهى الإمام من تلقينه للشهادة وأنتهى هو من ترديدها خلفه بصعوبة بالغة نظرا لعدم معرفته بالعربية تعالت أصوات التكبير بالمسجد ورأيت بعيني أناسا يبكون من الفرح بإسلام هذا الرجل وبقدوم وافد جديد على الإسلام ، ولكم هي مشاعر لا يعرفها إلا من أحسها ففي كل مرة يقول الإمام إلتمسوا منه الدعاء فإنه مغفور الذنب ، هل تتخيل معي أنك أمام رجل أنجاه الله من النار وأخرجه من الظلمات إلى النور ومحى خطاياه السابقة وحطها عنه كما قال النبي صلى الله عليه وسلم " والإسلام يجب ما قبله " صدق رسول الله صلى الله عليه وسلم ، قال الإمام إلتمسوا منه الدعاء فإنه مغفور الذنب ، شخص نجا من النار وأخرج من الظلمات إلى النور ومحيت خطاياه وأبدله الله بها حسنات وفتحت له صحيفة أعمال بيضاء ناصعة البياض ياله من خير عميم وفضل كبير ، وإكمالا لجلال المشهد بعد تكبير المصلين وتعالي الأصوات بالتكبير تراهم يصرون على مصافحته ومعانقته كأن بينهم أشد أواصر الدم وصلة القربى أنه الإسلام لا سواه وهو الله جل في علاه الذي زرع في القلب حب رجل لا تعرفه و البعد بينكما بعد المشرقين ولكنك تجد له حبا في قلبك ربما يفوق حب نفسك .... بصراحة لا أجد تعبيرا يفي بجلال هذا الموقف وحساسيته وثارت في خاطري تساؤلات عدة ، كيف جاء هذا الرجل إلى الإسلام ؟؟ هل بذل المسلمون جهدهم لإخراجه من الظلمات إلى النور ؟؟ هلى يحمل المسلمون هم نصرة الإسلام وتبليغه إلى ما عداهم من غير العرب أو من من لم تبلغهم الرسالة ؟ أذكر يوم أن كانت صحيفة الشعب - فك الله أسرها هي وكل مأسور - تصدر قامت بعمل تحقيق صحفي عن المسلمين في جمهوريات الإتحاد السوفيتي السابق بعيد إنهياره وساق المحرر صورة لرجل مسن يبكي وعلق تحتها " هذا الشيخ قبل يدي وبكى لأني عربي وقادم من عند رسول الله صلى الله عليه وسلم " أنظر معي إلى هذا التعليق أن المسلمين العجم يظنون أنه طالما أنت عربي فأنت لك صلة برسول الله صلى الله عليه وسلم بل وينظرون إليك على أنك منبع الدين ومنهله والحقيقة كلنا يعلمها ، أذكر أن أحد الدعاة أخبرني أنه كان يلقي محاضرة في مركز إسلامي بالولايات المتحدة الأمريكية وبعد إنتهائه قام أحد الجالسين وصافحه وبكى وقال له " إن الله تعالى سيسألكم عن والدي الذي مات على النصرانية لما لم تبلغوا له هذه الرسالة ؟؟" هل نستشعر نحن هذه المسؤولية حيال هؤلاء القوم بل هل نكون عند ظنهم بنا ، أعود إلى تلك الحادثة موضوع المقال فهذا الرجل إهتدى للإسلام ليس عن جهد من أبنائه وإنما عن بحث ودراسة قام هو بها حتى شرح الله قلبه للإسلام هكذا هو ومن سبقوه ما بالنا نقصر في أداء المهمة التي أنيطت بأعناقنا ؟؟ لما هذا التكاسل والتراخي حيال الأمانة التي حملناها ؟؟ إن هذا الرجل وسابقيه قد إهتدوا للإسلام دون جهد منا فماذا لو قمنا بالتبليغ كما أمرنا ؟؟ شاهدت أحد المسلمين الأمريكان وحاورته و شعرت تجاهه بشفقة عارمة لأنه يجهل أمورا لا يصح إسلامه إلا بها ، إن أكاليلا من التقصير تكلل رؤوسنا حيال إسلامنا وحيال الإنسانية جمعاء ما أصدق قول الشيخ محمد الغزالي رحمه الله " الإسلام قضية رابحة في أيدي محامين جهلاء " ، في موطن إسلام هذا الرجل من الله علي بتسجيل هذه الحادثة وأريد منكم أن تشاهدوها وتشاهدوا نعمة الله التي نرفل فيها ونحن لا ندري ، نعمة أنك مسلم ، ونعمة أنك عربي
والآن أترككم مع التسجيل

Tuesday, May 5, 2009

السعادة .... بين الحقيقة والمفهوم


السلام عليكم ورحمة الله وبركاته

أتذكرون تلك القصة ... قصة العصا والجزرة ...ركب الفلاح ظهر حماره ومعه عصاتان ، عصى يلهب بها ظهر حماره وعصى أخرى علق فيها جزرة ووضعها أمام رأس الحمار ، فكان الحمار كلما نظر إلى الجزرة أسرع طلبا وكلما تعب من تحصيل طلبه أسرع أيضا من جراء لهيب العصا الأخرى ، هذه القصة هي قصتنا نحن .... فالجزرة هي الأمل والأماني والعصا هي الكد والجهد والتهب وذلك الظهر هو البدن والراكب فوق الحمار هو العقل ، هذه الجزرة التي لا تدرك أبدا هي الأماني والسعادة والراحة والفرح والسرور الذي يطمع الإنسان بتحقيقه دوما ، كسراب الصحراء تلهث وراءه حتى إذا جئت لموقع عينك تباعد هذا الماء حتى صار في مرمى البصر وهكذا ... أجريت إستقصاء- في منتدى من المنتديات ومع مجموعة من الزملا ء - حول هذه القضية فكانت النتيجة مفاجأة :

أولا : لا أحد يملك تعريفا محددا للسعادة

ثانيا :المفاجأة الأخرى والأعجب هو أنني عندما سألت هل أنت سعيد أم لا ؟ كانت الإجابة بنسبة 100% كلهم سعداء فعجبت كيف يكون القوم لا يملكون تعريفا دقيقا للسعادة مع ذلك هم سعداء

ثالثا : بنسبة 100% أيضا كلهم علق تحقيق السعادة بآمال لم تتحقق بعد أو وضع لها شروطا عندما تحدث سوف يكون سعيدا مما يعني أنه ليس سعيد ، فكيف أجاب هؤلاء أنهم سعداء

رابعا : من نتيجة هذا الإستقصاء تبين أننا نتكلم عن معنى غير مدرك أو حسب تعبير أحد المشاركات في الإستقصاء أنه تعبير ميتافيزيقي ( غيبي أو فيما وراء الطبيعة )

غير أنني أستطيع بعد بحث وتقصي أن أسوق تعريفا للسعادة وأنها " حالة من السلام النفسي والطمأنينة والسكينة يعيشها الإنسان مع نفسة ومع من حوله " سلام نفسي يتقبل الإنسان فيه نفسه ويتقبل من حوله ويقنع بما أعطاه الله له فتسكن نفسه ويطمئن قلبه ، ولك أن تتصور ما أصعبها من حياة عندما يعيش الإنسان رهين محبسين ، المحبس الأول هو ذكرياته الماضية وأحداثها المؤلمة فيبكي عليها وعمره القادم يحمل هم ما ستكون عليه الأيام التوالي ، فتضيف الأيام إلى الذكريات ما يستدعي البكاء عليه ولا يزال الهم على القادم موجودا فيقضي الإنسان سحابة عمره في كآبة حتى يموت والسؤال هنا :

هل خلقك الله لتعيش تلك الحياة الكئيبة ؟؟

الإجابة طبعا لا

يقول الشيخ عبد الحميد كشك رحمه الله " إن الحياة ليست رحلة من شقاء في نهايتها حكم بالإعدام " طبعا ليست هكذا

إن الله تعالى جعل الحياة فرصة كي نحياها ونقضيها في طاعته تبارك وتعالى لا أن نعيش بين هم وحزن كما جاء في حديثه صلى الله عليه وسلم " اللهم إني أعوذ بك من الهم والحزن وأعوذ بك من العجز والكسل وأعوذ بك من الجبن والبخل وأعوذ بك من غلبة الدين وقهر والرجال " يقول بن القيم رضي الله عنه الهم يكون على المستقبل والحزن يكون على مافات ، ولقد فكرت مليا في الحكم الشرعي فيمن إستبد به اليأس فقتل نفسه وكيف أنه خالد في النار وكيف أن بعض الفقهاء حكم بكفره فوجدت أنه حكم ما أعدله كما جاء في الحديث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم " .... يبعث يوم القيامة مكتوب على جبينه آيس من رحمة رحمة الله " ذلك لأنه لم يتذكر أن الأمور تجري بمقادير الله وأن الله لا يعزب عنه مثقال ذرة في الأرض ولا في السماء فترك نفسه للقلق يستبد بها حتى شط عقله فهلك ، ثم ماذا بعد أن تحزن على مافات وتحمل هم ما هو آت هل في نفع لما أنت فيه ؟؟؟ الإجابة طبعا لا

جاء في تفسير قول الله تبارك وتعالى في سورة النحل الآية : 97 {مَنْ عَمِلَ صَالِحاً مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ} في تفسير مفاتح الغيب لفخر الدين الرازي رضي الله عنه :

واعلم أن عيش المؤمن في الدنيا أطيب من عيش الكافر لوجوه: الأول: أنه لما عرف أن رزقه إنما حصل بتدبير الله تعالى، وعرف أنه تعالى محسن كريم لا يفعل إلا الصواب كان راضيابكل ما قضاه وقدره، وعلم أن مصلحته في ذلك، أما الجاهل فلا يعرف هذه الأصول فكان أبدا في الحزن والشقاء.وثانيها: أن المؤمن أبدا يستحضر في عقله أنواع المصائب والمحن ويقدر وقوعها وعلى تقدير وقوعها يرضى بها، لأن الرضا بقضاء الله تعالى واجب، فعند وقوعها لا يستعظمها بخلاف الجاهل فإنه يكون غافلا عن تلك المعارف، فعند وقوع المصائب يعظم تأثيرها في قلبه.وثالثها: أن قلب المؤمن منشرح بنور معرفة الله تعالى، والقلب إذا كان مملوءا من هذه المعارف لم يتسع للأحزان الواقعة بسبب أحوال الدنيا، أما قلب الجاهل فإنه خال عن معرفة الله تعالى فلا جرم يصير مملوءا من الأحزان الواقعة بسبب مصائب الدنيا.ورابعها: أن المؤمن عارف بأن خيرات الحياة الجسمانية خسيسة فلا يعظم فرحه بوجدانها وغمه بفقدانها، أما الجاهل فإنه لا يعرف سعادة أخرى تغايرها فلا جرم يعظم فرحه بوجدانها وغمه بفقدانها.وخامسها: أن المؤمن يعلم أن خيرات الدنيا واجبة التغير سريعة التقلب فلولا تغيرها وانقلابها لم تصل من غيره إليه.واعلم أن ما كان واجب التغير فإنه عند وصوله إليه لا تنقلب حقيقته ولا تتبدل ماهيته، فعند وصوله إليه يكون أيضا واجب التغير، فعند ذلك لا يطبع العاقل قلبه عليه ولا يقيم له في قلبه وزنا بخلاف الجاهل فإنه يكون غافلا عن هذه المعارف فيطبع قلبه عليها ويعانقها معانقة العاشق لمعشوقه فعند فوته وزواله يحترق قلبه ويعظم البلاء عنده، فهذه وجوه كافية في بيان أن عيش المؤمن العارف أطيب من عيش الكافر هذا كله إذا فسرنا الحياة الطيبة بأنها في الدنيا.والقول الثاني: وهو قول السدي إن هذه الحياة الطيبة إنما تحصل في القبر.
ثانيا : مفاتيح السعادة :

1-الرضا والقناعة :

وهذه أعظم العطايا وأجل النعم ، يقول النبي صلى الله عليه وسلم " ارض بما قسمه الله لك تكن أغنى الناس " صدق رسول الله صلى الله عليه وسلم ، ويقول علي بن أبي طالب رضي الله عنه " القناعة كنز لا ينبو " أي لا يفنى وأوصى رسول الله صلى الله عليه وسلم أبا ذر الغفاري رضي الله عنه فقال " أنظر إلى من هو تحتك ولا تنظر إلى من هو فوقك لإنه أجدر ألا تزدري نعمة الله عندك " صدق رسول الله صلى الله عليه وسلم ،فعن معقل بن يسار -رضي الله عنه- قال: قال رسول الله --: (يَقُولُ رَبُّكُمْ تَبَارَكَ وَتَعَالَى: يَا ابْنَ آدَمَ، تَفَرَّغْ لِعِبَادَتِي أَمْلأْ قَلْبَكَ غِنًى، وَأَمْلأْ يَدَيْكَ رِزْقًا، ابْنَ آدَمَ لا تَبَاعَدْ عَنِّي فَأَمْلأْ قَلْبَكَ فَقْرًا، وَأَمْلأْ يَدَيْكَ شُغْلا) رواه الحاكم والطبراني، وصححه الألباني. وما أصدق وأروع الحديث النبوي "من أصبح آمنا في سربه، معافى في بدنه، عنده قوت يومه، فكأنما حيزت له الدنيا بحذافيرها" (رواه البخاري في الأدب المفرد والترمذي وقال: حسن غريب، وابن ماجة). أنظر لكم هي بسيطة وسهلة هذه الدنيا التي نكد ونتعب في تحصيلها بل ونتقطع حسرات عليها .... عنده قوت يومه ومعاف في بدنه آمنا في سربه أي في أهله فقد حيزت له الدنيا بحذافيرها أتدرون لماذا ؟؟؟؟ لأنه لا يناله من الدنيا إلا هذه الأشياء وما زاد عنها يتركه وينصرف ... ما بالنا ننشغل بالمفقود ونغفل عن الموجود ؟؟؟

2-السيطرة على الذات :

ما هي نظرتك لإنسان تتحكم فيه شهواته وعواطفه ؟؟؟ ما هي نظرتك لإنسان كل همه من الدنيا أن يأكل ويشرب ويتزوج ويتأنق في هذه الأشياء فقط ؟؟؟ بالتأكيد ستنظر إليه على أنه إنسان خاوي الوفاض بل إن قيمة الإنسان الحقيقة تكمن في التحكم في هذه الأشياء لا أن تتحكم هي فيه ، ولقد تدبرت طويلا العبرة من العبادات الإسلامية السهل منها والصعب والعبرة منها ؟؟ ثم ما هي الحكمة من عبادة كعبادة الصوم تكسر شوكة النفس وتلزمها الرغام ؟؟؟ بالتأكيد العبرة من هذه العبادات والهدف منها هي رياضة النفس ( الرياضة من الترويض ) حتى يسلس لك قيادتها وطبعا قبلها إلتزام طاعة الله تبارك وتعالى إذا ففي إلتزامك بالعبادات قيادة لنفسك وجعلها تحت تحكمك ، قال بعض العلماء: "أعدى أعدائك نفسك التي بين جنبيك ويقولون أيضا " القيادة طريقة متكاملة في الحياة تبدأ بالسيادة على النفس والتحكم في العواطف والحالة الذهنية "
3- السيطرة على المشاعر والعواطف :
فهذه النقطة أيضا وإن كانت من الممكن أن تندرج تحت النقطة السابقة إلا أنني رأيت أهمية فصلها لتبان خطورتها وأحقيتها بالإبراز ، فالحب والكره والرضا و الغضب هذه الأشياء كفيلة بأن تخرج الإنسان عن الحق وتجره إلى الباطل أيضا فالإنسان إذا أحب شيئا تعذب من أجله وإذا أبعض شيئا تعذب منه وهكذا و لأهمية هذا الأمر يبن لنا الله تبارك وتعالى أن الحكم المبني على هذا الأمر هو حكم في الغالب مجانب للصواب ، يقول تعالى: (كتب عليكم القتال، وهو كره لكم، وعسى ان تكرهوا شيئا وهو خير لكم، وعسى ان تحبوا شيئا وهو شر لكم، والله يعلم وانتم لا تعلمون) .. فالقتال تكرهه النفس إلا أن الخير فيه والراحة تحبها النفس إلا أن الشر فيها وهذا دليل على خطأ الحكم المتكون بناءا على العاطفة ، ولقد عجبت كل العجب لماذا لا يحكم القاضي وهو غضبان؟؟؟ ، وأيضا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال " لا طلاق مع إغلاق " والإغلاق هو شدة الغضب ، فكمال شخصية الإنسان يرجع إلى تحكمه في عواطفه وشدة تقييدها فقد كان من أوصافه صلى الله عليه وسلم وهو أكمل الناس خلقا وخلقا " كان حلمه يسبق جهل الجاهل " وأيضا " كان لا يزيده جهل الجاهل إلا حلما ، يقول ألبرت أينشتاين صاحب النظرية النسبية - وإستدلالنا بقوله من باب أن الحكمة ضالة المؤمن أنى وجدها فهو أولى الناس بها - " تقدر القيمة الحقيقية للإنسان بدرجة تحكمه في ذاته " فمن المعلوم عند العقلاء أن الإنسان الذي تذهب به موجات الغضب والرضا كل مذهب إنسان هوائي لا قيمة له يرضى ويسخط لأقل الأسباب ولذلك كان من دعاء محمد صلى الله عليه وسلم " أسألك القصد في الفقر والغنى وكلمة الحق في الغضب والرضا " يقول بن القيم تعليقا على هذا الدعاء " فمن العباد من يخرجه غضبه عن قول الحق " يقول الله تعالى في سورة المائدة " يا أيها الذين آمنوا كونوا قوامين لله شهداء بالقسط ولا يجرمنكم شنئان قوم على ألا تعدلوا إعدلوا هو أقرب للتقوى واتقوا الله إن الله خبير بما تعملون " المائدة الآية رقم 8 ، ويقول رسول الله صلى الله عليه وسلم عن نعمة الولد " الولد مبخلة مجبنة محزنة " فإذا مرض حزنت وإذا مات حزنت وأنت دائما في هم من أجله ، لذلك فحريتك من عواطفك وأهوائك دليل على كمال شخصيتك وكمال حريتك ومن ثم كمال سعادتك ، وما أكثر ما تواترت به النصوص والأحاديث في ذم إتباع الهوى وذلك لخطورته على الشخصية وتركيبها وعلى النفس وبنائها بل وعلى المجتمع كله ، وما سمي الهوى هوى إلا لأنه هوى بصاحبه ، أستطيع أن أقول لك أن تحكمك في عواطفك سر سعادتك في الدنيا والآخرة ، قد يرد قائل بأن هذا أمر من الصعب فأجيبه من السنة بقول رسول الله صلى الله عليه وسلم " أحبب حبيبك هونا ما عسى أن يكون بغيضك يوما ما ، وأبغض بغيضك هونا ما عسى أن يكون حبيبك يوما ما " صدق رسول الله صلى الله عليه وسلم فمن لم يستطع أن يتحكم في مشاعرة فليقتصد فيها وكم شهدت التجربة بصدمات للناس في أناس أحبوهم يقول الأمير بن صمادح :
وزهدني في الناس معرفتي بهم وطول إختباري صاحبا بعد صاحب

فلم ترني الأيام خلا يسرني
بوادية إلا ساءني في العواقيب
ولا صرت أرجوه لدفع ملمة
من الدهر إلا كان إحدى النوائب
فليس معي إلا كتاب صحبته
يؤانسني في شرقها والمغارب

4-لا تشغل ذهنك بما حولك :
يقول الإمام الشافعي رضي الله عنه " رضى الناس غاية لا تنال " ويقول السلف " من راقب الناس مات كمدا " فلا تتطلع إلى رضى الناس فلن تستطيع أن تجمع رضاهم ومن راقب رضى الناس جاءت تصرفاته كردود أفعال فظهر بمظهر المتردد الذي لا حقيقة له بل قد يدفعك رضا الناس إلى سخط الله والعياذ بالله ، فمن الناس من يستولي عليه الهم والحزن لأقل نقد يتعرض له وهذا طبعا خطأ يقول العقاد " الإنسان الذي يخشي النقد شخص قليل العظائم " يقول الحكماء" إذا أردت أن تتجنب النقد فلا تقل شيئا ولا تفعل شيئا ولا تكن شيئا " ، فقط يكفيك ان تحتكم في صحة هدفك للكتاب والسنة وهما لا تلتبس بهما الأهواء وحدد هدفك و سرعلى بركة الله وتذكر قول الغزالي " أنت نسيج وحدك " وكمن من عظيم أبصر أمرا وعده الناس مجنونا وحتى إذا حصله أدركوا أنه كان محقا وكانوا هم مخطئون ، ثق في رأيك وتفكيرك وعقلك يقول الإمام الشافعي رضي الله عنه "رأينا صواب يحتمل الخطأ ورأي غيرنا خطأ يحتمل الصواب "
5- الغنى عن الناس :

عجبت لدعاء محمد صلى الله عليه وسلم " وأسألك الغنى عن الناس " ويقول النبى صلى الله عليه وسلم موصيا أحد صحابته رضي الله عنهم " إزهد فيما عند الناس يحبك الناس " فقد جبل الناس على حب من يزهد فيما في أيديهم وبغض من يتطلع إلى ما عندهم وهذا من أعظم أبواب تحصيل السعادة أن تؤدي النفع للناس وأنت غني عنهم دون إنتظار أجر ومثوبة إلا من الله تعالى ، يقول رسول الله صلى الله عليه وسلم " خير الناس أنفعهم للناس " وقال أيضا عندما سئل عن خير العمل فقال " سرور تدخله على قلب مسلم " يقول السلف " من إعتمد على الناس الناس مل ومن إعتمد على ماله قل ومن إعتمد على علمه ضل ومن إعتمد على عقله إختل ومن إعتمد على الله فلا قل ولا مل ولا ضل ولا ذل ولا إختل " ، ففي الأزمات والملمات لا تتعلق إلا بالله ولا ترجون إلا الله ، فبعض الناس عندما تنزل به نازلة يلجأ إلى الناس ويحزن عندما لا يغيثوه وتلك طبيعتهم ولو أنزل أمره بالله لوجده أقرب إليه من حبل الوريد قال صلى الله عليه وسلم (من نزلت به فاقةٌ فأنزلها بالناس لم تسد فاقته، ومن نزلت به فاقة فأنزلها بالله فيوشك الله له برزق عاجل أو آجل) [رواه الترمذي وصححه الألباني] .
6-التعامل مع الأزمات والملمات :

قد يقول قائل تدعونا إلى السيطرة على المشاعر والإقتصاد في الشعور فكيف نتعامل مع الأزمات والملمات فنقول نتعامل معها بالرضى بقضاء الله وقدره والتسليم لأمره فالله يحكم لا معقب لحكمه وهو سريع الحساب وتذكر قول الله تعالى " ما أصاب من مصيبة في الأرض ولا في أنفسكم إلا في كتاب من قبل أن برأها إن ذلك على الله يسير ، لكي لا تأسوا على ما فاتكم ولا تفرحوا بما آتاكم والله لا يحب كل مختال فخور " سورة الحديد الأيتين 22 ، 23 ، لا تجمع عليك شدتين شدة الأزمة وشدة شعورك بالحزن فمشاعرك وعواطفك هي أعدؤك وكلل كل ذلك بالرضا والصبر والشكر ، يقول الشاعر :

قل لمن يحمل هما
إن همك لا يدوم

مثلما تفنى السعادة
هكذا تفنى الهموم

ويقول الشاعر أيضا :

كن عن همومك معرضا
وكل الأمور إلى القضا

وانعم بطول سلامة
تسليك عما قد مضى

لفربما تسع المضيق
ولربما ضاق الفضا

ولرب أمر مسخط
لك في عواقبه رضا

الله يحكم ما يشاء
فلا تكن متعرضا

7- قصر الأمل أو حصار الأمل

بدنا هذه الكلمات بالكلام عن الأمل وكيف أنه سوط لاهب يلهب الظهر ويثقل الكاهل وما أروع ما وصف أحد الزهاد به الدنيا فقال " ترقب جميل لكنه يتنغص ، وظل ظليل لكنه يتقلص ، ومطامع وراء الأودية والمفاوز ، وما هو لما قدر له بمجاوز ، فأنغاسه قبل كل ذلك تعد ، ورحاله تشد ، وعريته ترد ، والتراب من بعد ذلك ينتظر الخد ، وما عقبى الباقي إلا اللحاق بالماضي ، وعلى أثر من سلف يمضي من خلف ، وما هو إلا أجل محدود وأمل مكذوب " عن عبد الله – رضي الله عنه – قال : (خط النبي صلى الله عليه وسلم خطا مربعا , وخط خطا في الوسط خارجا منه , وخط خُططا صغارا إلى هذا الذي في الوسط من جانبه الذي في الوسط وقال : (هذا الإنسان وهذا أجله محيط به , أو قد أحاط به , وهذا الذي هو خارج أمله وهذه الخطط الصغار الأعراض , فإن أخطأه هذا , نهشه هذا , وإن أخطأه هذا نهشه هذا ) وفي رواية من حديث أنس بن مالك رضي الله عنه قال : خط النبي صلى الله عليه وسلم خطوطا فقال : ( هذا الإنسان وهذا أجله فبينما هو كذلك إذ جاءه الخط الأقرب ) ,

هذا هو ما رسم رسول الله صلى الله عليه وسلم كما فهمت من الحديث

يقول الدكتور خالد المنيف ( كاتب سعودي ) في مقالة بعنوان صناعة السعادة عن هذا المعنى فسماه مهارة الاستمتاع باللحظة و فن تقدير الموجود يقول الشاعر الانكليزي جون ملتون صاحب ملحمة الفردوس المفقود :في وسع العقل أن يخلق وهو في مكانه....جحيما من الجنة أو نعيما من الجحيم ، يقول احد الفلاسفة من لم يسعد بما في يديه فلن يسعد بما سوف يأتيه في المستقبل ، والقاعدة تقول استخدم الشيء وإلا خسرته ،إستمتع بنعم الله عليك وما وضع بين يديك إنتهى . الحياة ما هي إلا مجموعة من التصورات وليس فيها حقيقة فهي إما أن تزول عنها أو تزول عنك ، وسعيك فيها هو تصوراتك فتصور نفسك ناجحا تكن بإذن الله ناجحا يقول رسول الله صلى الله عليه وسلم " تفاءلوا بالخير تجدوه " صدق رسول الله صلى الله عليه وسلم

في الخاتمة :

لست أزعم أني أول من كتب في هذا الموضوع ولست آخر من يكتب لكني أزعم أن ما جاء في هذا المقال ما هو إلا خبرتي في حياتي لذلك أسألك الله تعالى أن ينفع بها من قرأها

اللهم إني أسألك إنابة لا رجعة فيها ولا حور يا مصلح الصالحين ويا هادي الضالين ويا راحم المذنبين .... اللهم آمين

نلتقي في مرة أخرى بإذن الله تعالى

Wednesday, April 8, 2009

ثقافة الإدعاء والتظاهر

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
أعترف أمامكم أنني تلكأت كثيرا في كتابة هذا المقال وربما راودتني أفكار إلغائه أصلا وهذا لأسباب عدة منها الخوف من أكون مندرجا تحت ما يأتي فيه ، ومنها أني رأيت أنني لست من أهل التخصص في الحديث في هذا الأمر، ثم ثار في خاطري ثائر حدى بي إلى الكتابة خوفا من كتمان العلم ورهبة من عذاب الله تعالى وما رصدته من إنتشار هذه الظاهرة وسيطرة هذه الثقافة داخل أوساط العاملين للإسلام وحتى في خارجه فيما يخص أمور الدنيا ، وحتى يشترك القارئ معي في تفهم الظاهرة حتى ندلف منها إلى التعميق والتأصيل نقول :
رصدت أول ما رصدت أناسا ليسوا من أهل العلم يدعون العلم ويزاحمون العلماء ، وأناسا ليسوا من أهل التربية يزاحمون المربين ، وأناس ليسوا من أهل القيادة ويزاحمون القادة ، وأناس ليسوا من أهل التحدث في قضية معينة وتجدهم يدلون بدلوهم فيها ويتحدثون حتى يصيرون هم المرجع فيها ، مما يعني إقصاء العلماء على وجه الحقيقة ، والظاهرة في خطورتها هي أن هؤلاء - تعالوا نسميهم " المدعين " - ليست المشكلة في تصدرهم وإنما المشكلة في إزاحتهم لأهل التخصص فيها مما يعني سيادة الجهل والسطحية والقشرية والمظهرية وعدم إصابة الحقيقة
أولا : التعريف بالظاهرة :
هي تعني إدعاء بعض الناس علمهم بمسألة معينة أو علم معين أو تخصص معين والتصدر له على أنهم المرجع والمعلم له مما يدفعه إلى الإدلاء برأيه بغير علم والعصبية لرأية للمحافظة على الصدارة التي حصل عليها ألا وهي الأستاذية المزعومة أمام العامة وأمام الذين لا يعلمون ( هذا في كافة مظاهر الحياة على العموم )
ثانيا : سمات المدعي :
1-تعصبه الشديد لرأيه في المناقشات ولجوءه إلى الآراء الإقصائية بالنسبة للآخر
2-في حديثه حرصه على غريب العلم والنقول الغريبه والأقوال المتقعرة والآراء الشاذة وذلك للفت النظر والإنتباه ، فتجده يحرص على النقول الخاصة بأسماء العلماء الكبار وذكر أسمائهم مع نقوله ليس من قبيل نسب القول إلى قائله وإنما من قبيل إظهار أنه قارئ واسع الإطلاع
3-المسارعة إلى العلوم الحديثة أو الجديدة نسبيا سعيا للتفرد والتميز، فلا يكاد يبرز علم معين إلا وتجده إما دارسا له أو متحدثا فيما يخصه
4- غالبا بعد أن تحصل هذه الشخصيات علما معينا ما تتوقف عن التقدم فيه أو في غيره مكتفيا بأنه عرف عنه أنه يدرس كذا أو قد حصل على كذا
5-تصيده للأخطاء في المناقشات والحوار وإظهار إحتكاره للحقيقة
6-ربما في بعض الحالات الميل للتحدث عن الذات وما حققه من إنجازات
7- التهكم والسخرية على آراء الآخرين
ثالثا: خطورة الظاهرة :
تكمن خطورة الظاهرة فيما يلي :
1-تصدر من لا يستحق وتوليه مكانة ليست له مما يؤثر على العمل تأثيرا سلبيا وقد يودي به بالكلية
2-حبطان العمل بالكلية وذلك لمنافاة هذه الظاهرة للإخلاص
3-تنحية من يستحقون عن الصدارة والقيادة وتولي مقاليد الأمورلأناس لا يستحقونها
4-خطورة على الفرد نفسه - المدعي ذاته - لأنه ربما يكون لا يدري أنه مريض بهذا المرض وهو بهذا يسيئ من حيث يظن أنه محسن وهنا تقع المسؤولية على عاتق المربين بالتبصير بحقيقة هذه الظاهرة فور نشأتها
أعتقد أننا من هذه المقدمة نستطيع أن نبصر أن المدعين موجودون حولنا في كل مكان في العمل وفي الشارع وفي العمل الإسلامي وفي السياسة والإقتصاد وفي كل مظاهر الحياة ولكن كما يقول أمير المؤمنين علي بن أبي طالب كرم الله وجهه ورضي الله عنه " شر الأزمنة أن يتبجح الجاهل ويسكت العاقل ولكن القبة الجوفاء لا ترجع غير الصدى ليس العلم بكثرة التعلم إنما هو نور يقذفه الله في قلب من يشاء من عباده " قبل أن ننتقل إلى نقطة الأدلة الشرعية نود أن نسوق هذه التفرقة الهامة حتى يكتمل المعنى :
رابعا : الفرق بين الإدعاء والرياء وحب الظهور :
هذان الداءان يشتركان مع بعضهما لبعض في أن كلا منها هدفه صرف الأنظار وجلب الإهتمام وجعل صاحب محل تقدير وإحترام من قبل الناس وهو في الغالب لا يستحقه ، غير أنني أرى أن " الإدعاء " يختلف عن الرياء وحب الظهور في أن المرائي يرائي بعمله ومحب الظهور لديه رصيد من العمل من وجهة نظره هو يستحق به أن يظهر وأن يقدم ، غير أن مرض الإدعاء هذا يكون بالباطل وليس لديه ما يستحق الظهور به وإنما الأمور ربما تكون محض أقوال وإفتراءات ، وإذا كان الرياء في فقه السلف رضي الله عنهم أكبر من أي كبيرة ( راجع في ذلك إحياء علوم الدين ) فإنني أرى أنه لا يقل خطورة عنه وربما يكون حسب المقارنة السابقة أشد خطورة منه لأنه يستحق المقت من الله تعالى
خامسا : الهدف :
أهدف من هذا المقال رصد هذه الظاهرة وفصل معالمها ثم البعد عن أن أكون عليم اللسان فصيح البيان خاوي الأفعال والعياذ بالله أن أفعل خلاف ما أقول فأستحق مقت الله تعالى ، أحذر نفسي وإخواني من تصدر الناس في صورة الأستاذية ونحن لسنا أهل لذلك وقد أحصينا في كتب السلف غير واحد منهم هو في الحقيقة إمام ولكنه يتورع عن التصدر والتحديث والتعليم فما بالنا صرنا على هذا الأمر أجرأ كاننا في مأمن مما كانوا منه يخافون
سادسا : الأدلة :
أولا : القرآن الكريم :
1- يقول الله تعالى في سورة آل عمران {لا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَفْرَحُونَ بِمَا أَتَوْا وَيُحِبُّونَ أَنْ يُحْمَدُوا بِمَا لَمْ يَفْعَلُوا فَلا تَحْسَبَنَّهُمْ بِمَفَازَةٍ مِنَ الْعَذَابِ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ} الآية : 188
{وَيُحِبُّونَ أَنْ يُحْمَدُوا بِمَا لَمْ يَفْعَلُوا} إذا كانت الآية في أهل الكتاب لا في المنافقين المتخلفين ؛ لأنهم كانوا يقولون : نحن على دين إبراهيم ولم يكونوا على دينه ، وكانوا يقولون : نحن أهل الصلاة والصوم والكتاب ؛ يريدون أن يحمدوا بذلك.
2- الآية : [2] {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لِمَ تَقُولُونَ مَا لا تَفْعَلُونَ}الآية : [3] {كَبُرَ مَقْتاً عِنْدَ اللَّهِ أَنْ تَقُولُوا مَا لا تَفْعَلُونَ}
أنقل تعليقا من تفسير القرطبي بتصرف على هذه هاتين الآيتين :
وقال الشافعي وعموم الآية حجة لنا ، لأنها بمطلقها تتناول ذم من قال ما لا يفعله على أي وجه كان من مطلق أو مقيد بشرط.
قال النخعي : ثلاث آيات منعتني أن أقص على الناس {أَتَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبِرِّ وَتَنْسَوْنَ أَنْفُسَكُمْ} ، {وَمَا أُرِيدُ أَنْ أُخَالِفَكُمْ إِلَى مَا أَنْهَاكُمْ عَنْهُ} ، {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لِمَ تَقُولُونَ مَا لا تَفْعَلُونَ}. وخرج أبو نعيم الحافظ من حديث مالك بن دينار عن ثمامة أن أنس بن مالك قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : "أتيت ليلة أسري بي على قوم تقرض شفاههم بمقاريض من نار كلما قرضت وفت" قلت : "من هؤلاء يا جبريل" ؟ قال : "هؤلاء خطباء أمتك الذين يقولون ولا يفعلون ويقرؤون كتاب الله ولا يعملون". وعن بعض السلف أنه قيل له : حدثنا ؛ فسكت. ثم قيل له : حدثنا. فقال : أترونني أن أقول ما لا أفعل فاستعجل مقت الله!.
فما بال أحدنا يتصدر الناس واعظا أو خطيبا أو معلما أو مربيا وهو ليس أهلا لذلك ولا يفعل بما يقول بأي دعوى ندعي وبأي ذريعة نتذرع لنطرح عنا هذه الدعوى وتلك الذرائع ويختلي كل واحد منا بنفسه وينظر في أمر فعله أهو له أم عليه
ثانيا الحديث الشريف :
1- الحديث الأصل في هذا الموضوع هو :
حدثني محمد بن المثنى حدثني يحيى عن هشام حدثتني فاطمة عن أسماء أن امرأة قالت: يا رسول الله إن لي ضرة فهل علي جناح إن تشبعت من زوجي غير الذي يعطيني، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: المتشبع بما لم يعط كلابس ثوبي زور. رواه البخاري؟ المعنى الظاهر من الحديث هي أن السائلة تقول إن لها ضرة والضرة هي الزوجة الأخرى فهل عليها إثم إن إدعت أو تظاهرت أمامها أن زوجها يعطيها ما لم يعطيها كنوع من كيد النساء فكانت إجابة النبي صلى الله عليه وسلم ما سمعنا وما قرأنا ، يوضح الإمام النووي رضي الله عنه قال النووي في شرح مسلم عند شرح هذا الحديث: قال العلماء معناه المتكثر بما ليس عنده بأن يظهر أن عنده ما ليس عنده يتكثر بذلك عند الناس ويتزين بالباطل فهو مذموم كما يذم من لبس ثوبي زور قال أبو عبيد وآخرون هو الذي يلبس ثياب أهل الزهد والعبادة والورع ومقصوده أن يظهر الناس أنه متصف بتلك الصفة ويظهر من التخشع والزهد أكثر مما في قلبه فهذه ثياب زور ورياء، وقيل هو كمن لبس ثوبين لغيره وأوهم أنهما له، وقيل هو من يلبس قميصاً واحداً ويصل بكميه كمين آخرين فيظهر أن عليه قميصين، وحكى الخطابي قولاً آخر أن المراد هنا بالثوب الحالة والمذهب والعرب تكنى بالثوب عن حال لابسه ومعناه أنه كالكاذب القائل ما لم يكن، وقولاً آخر أن المراد الرجل الذي تطلب منه شهادة زور فيلبس ثوبين يتجمل بهما فلا ترد شهادته لحسن هيئته. والله أعلم. انتهى.
ولقد ناقشت أحد العلماء ذات مرة في هذا الحديث فقال لي إن الإدعاء كذب بالفعل كما هو معروف عن الكذب أنه بالقول
2- قال : (( من تعلم العلم ليجاري به العلماء أو ليماري به السفهاء أو يصرف به وجوه الناس إليه أدخله الله النار )) رواه الترمذي.
3- قال رسول الله : (( من تعلم علما مما يبتغى به وجه الله عز وجل لا يتعلمه إلا ليصيب به عرضا من الدنيا لم يجد عرف الجنة يوم القيامة )) رواه أبو داود
4-عن جابر بن عبد الله رضي الله عنهما أن رسول الله قال:((إن من أحبكم إلي ، و أقربكم مني مجلسا يوم القيامة أحاسنكم أخلاقا ، و إن أبغضكم إلي و أبعدكم مني مجلسا يوم القيامة الثرثارون ، و المتشدقون ، و المتفيهقون ))، قالوا : قد علمنا " الثرثارون و المتشدقون " فما " المتفيهقون ؟ " قال : ((المتكبرون))
الثرثار: كثير الكلام تكلفا"
المتشدق: المتكلم بملء فمه تفاصحا" تعظيما" لكلامه.المتفيهق: الذي يملأ فمه بالكلام , ويتوسع فيه , ويغرب به تكبرا" وارتفاعا" وإظهارا" للفضيلة على غيره "
5-جاء رجل إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم يسأل عن الساعة . . . قال صلى الله عليه وسلم : " إذا ضيعت الأمانة فانتظر الساعة ، قال : وكيف إضاعتها ؟ قال : إذا وسد الأمر إلى غير أهله فانتظر الساعة " [ رواه البخاري ]
ثم أليس في تصدر الأدعياء وتنحي الأصلاء توسيد للأمر إلى غير أهله وتضييع للأمانة نسأل الله العافية
6-حدثنا قتيبة بن سعيد حدثنا جرير عن هشام بن عروة عن أبيه سمعت عبد الله بن عمرو بن العاص يقول سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول إن الله لا يقبض العلم انتزاعا ينتزعه من الناس ولكن يقبض العلم بقبض العلماء حتى إذا لم يترك عالما اتخذ الناس رؤسا جهالا فسئلوا فأفتوا بغير علم فضلوا وأضلوا " رواه مسلم
أليس كل دعي في أي مجال رأسا من هذه الرؤوس الجهال
يقول أبو الأسود الدؤلي :
يا أيها الرجل المعلم غيره هلا لنفسك كان ذا التعليم
تصف الدواء لذي السقام وذي الضنا كي ما تصح وأنت سقيم
أبدأ بنفسك فإنهها فإن أنتهت فأنت حكيم
لا تنه عن خلق وتأتي مثله عار عليك إذا فعلت عظيم
سابعا: أسباب هذا المرض :
1-حب الظهور والرياسة
2- التوسع في فهم حديث النبي صلى الله عليه وسلم " بلغوا عني ولو آيه " صدق رسول الله صلى الله عليه وسلم وإلزام الأمر مالم يلزم وتوسيع دائرة التبليغ لتشمل الوعظ والفتوى والقول أحيانا بغير علم
3- نقص من يقوم بهذا الأمر حق القيام
4- عدم قيام أهل التخصص الأصلاء بواجبهم حق القيام
5- تقصير تربوي في حق هذه الشخصيات ( المدعين )
6- إستعجال قطف الثمرة قبل نضوجها من قبل المربين
ثامنا : كيف نتخلص وتتخلص من هذه الظاهرة ( العلاج ) :
1- الصدق مع النفس وتحري الإخلاص حيث يقول الله تعالى " يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وكونوا مع الصادقين " التوبة
2- الإنصراف إلى الأعمال والتورع عن الأقوال وإيثار ما يبقى على ما يفنى
3- تحري النية وتجديدها قبل كل عمل
4-عدم التصدر للأعمال إلا بعد إجازة أهل الثقة والسبق ، ولعلنا نقرأ في كتب السلف أنه ما جلس أحد منهم للتحدث إلا بعد أن أجازه أساتذته
5-على أهل الثقة السبق مراعاة هذه النقطة جيدا ومراقبة من يضعونه في هذه المواضع وتحصينه تربويا بما يكفى حفظه من هذا المرض
6-توجيه النصح المباشر وغير المباشر كل حسب حالته لمن إبتلي بهذا المرض
تاسعا : خاتمة :
أبرأ إلى الله تعالى في مقالي هذا أن أكون مدعيا للعلم فلست بعالم ولكني مجرد راصد لظاهرة في الحياة الدعوية وفي الحياة العامة وما عزوت الأقوال إلى أصحابها إلا من باب بركة العلم كما يقول القرطبي فمن بركة العلم نسب القول إلى قائله وحسبي في ذلك أنني مجرد ناقل لأقول العلماء وجامع بعضها إلى بعض ، ما بال الزمان يضن علينا بشخص كثابت بن أقرم بن ثعلبة رضي الله عنه يوم مؤته حينما إستشهد عبد الله بن رواحة رضي الله عنه فإلتقط الراية ودفعها إلى خالد بن الوليد وقال له " والله ما إلتقطها إلا لك " ، أخيرا أتمنى ممن قرأ هذا المقال أن يقوم بالتفاعل معه والتعليق عليه حتى لو كان هذا التعليق مخالفا فالآراء يصوب بعضها بعضا
ألا هل بلغت اللهم فأشهد
نلتقي في مرة أخرى بإذن الله تعالى